محمد بن جرير الطبري

104

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أبو السائب ، قال : ثنا حفص ، عن هشام بن عروة ، قال : كان عبد الله بن الزبير يواصل سبعة أيام ، فلما كبر جعلها خمسا ، فلما كبر جدا جعلها ثلاثا . حدثنا أبو السائب ، قال : ثنا حفص ، عن عبد الملك ، قال : كان ابن أبي يعمر يفطر في كل شهر مرة . حدثنا ابن أبي بكر المقدمي ، قال : ثنا الفروي ، قال : سمعت مالكا يقول : كان عامر بن عبد الله بن الزبير يواصل ليلة ست عشرة وليلة سبع عشرة من رمضان لا يفطر بينهما ، فلقيته فقلت له : يا أبا الحرث ماذا تجده يقويك في وصالك ؟ قال : السمن أشربه أجده يبل عروقي ، فأما الماء فإنه يخرج من جسدي . وما أشبه ذلك ممن فعل ذلك ، ممن يطول بذكرهم الكتاب . قيل : وجه من فعل ذلك إن شاء الله تعالى على طلب الخموصة لنفسه والقوة ، لا على طلب البر لله بفعله . وفعلهم ذلك نظير ما كان عمر بن الخطاب يأمرهم به بقوله : " اخشوشنوا وتمعددوا وانزوا على الخيل نزوا واقطعوا الركب وامشوا حفاة " ، يأمرهم في ذلك بالتخشن في عيشهم لئلا يتنعموا فيركنوا إلى خفض العيش ويميلوا إلى الدعة فيجبنوا ويحتموا عن أعدائهم ، وقد رغب لمن واصل عن الوصال كثير من أهل الفضل . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي إسحاق : أن ابن أبي نعيم كان يواصل من الأَيام حتى لا يستطيع أن يقوم ، فقال عمرو بن ميمون : لو أدرك هذا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم رجموه . ثم في الأَخبار المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهي عن الوصال التي يطول بإحصائها الكتاب تركنا ذكر أكثرها استغناء بذكر بعضها ، إذ كان في ذكر ما ذكرنا مكتفى عن الاستشهاد على كراهة الوصال بغيره . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا يحيى بن سعيد ، عن عبد الله ، قال : أخبرني نافع ، عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال ، قالوا : إنك تواصل يا رسول الله قال : " إني لست كأحد منكم ، إني أبيت أطعم وأسقي " . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم الإِذن بالوصال من السحر إلى السحر . حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري ، قال : ثنا أبو شعيب ، عن الليث ، عن يزيد بن الهاد عن عبد الله بن خباب ، عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر " ، قالوا : يا رسول الله إنك تواصل ، قال : " إني لست كهيئتكم إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني " . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا أبو نعيم ، قال : ثنا أبو إسرائيل العبسي ، عن أبي بكر بن حفص ، عن أم ولد حاطب بن أبي بلتعة أنها مرت ب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتسحر ، فدعاها إلى الطعام فقالت : إني صائمة ، قال : " وكيف تصومين " ؟ فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " أين أنت من وصال آل محمد صلى الله عليه وسلم ، من السحر إلى السحر " ؟ . فتأويل الآية إذن : ثم أتموا الكف عما أمركم الله بالكف عنه ، من حين يتبين لكم الخيط الأَبيض من الخيط الأَسود من الفجر إلى الليل ، ثم حل لكم ذلك بعده إلى مثل ذلك الوقت . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ قال : من هذه الحدود الأَربعة ، فقرأ : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ فقرأ حتى بلغ : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وكان أبي زيد وغيره من مشيختنا يقولون هذا ويتلونه علينا . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ يعني تعالى ذكره بقوله : وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ لا تجامعوا نساءكم ، وبقوله : وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ يقول : في حال عكوفكم في المساجد ، وتلك حال حبسهم أنفسهم على عبادة الله في مساجدهم . والعكوف أصله المقام ، وحبس النفس على الشيء ، كما قال الطرماح بن حكيم : فبات بنات الليل حولي عكفا * عكوف البواكي بينهن صريع يعني بقوله عكفا : مقيمة . وكما قال الفرزدق : ترى حولهن المعتفين كأنهم * على صنم في الجاهلية عكف وقد اختلف أهل التأويل في معنى المباشرة التي عنى الله بقوله : وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ فقال بعضهم : معنى ذلك الجماع